ابن أبي أصيبعة

104

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

قال : ولما فارقنا " شهاب الدين السهروردي " من الشرق ، وتوجه إلى الشام ، أتى إلى حلب وناظر بها الفقهاء ، ولم يجاريه أحد ، فكثر تشنيعهم عليه ؛ فاستحضره السلطان الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب « 1 » ، واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين ، ليسمع ما يجرى بينهم وبينه من المباحث والكلام . فتكلم معهم بكلام كثير ، وبان « 2 » له فضل عظيم ، وعلم باهر ، وحسن موقعه عند الملك الظاهر ، وقربه ، وصار مكينا عنده مختصا به . فازداد تشنيع أولئك عليه ، وعملوا محاضر بكفره ، وسيروها « 3 » إلى دمشق عند الملك الناصر صلاح الدين ، وقالوا : إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر ، وكذلك إن أطلق فإنه يفسد أي ناحية كان بها من البلاد . وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك . فبعث " صلاح الدين " إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابا في حقه ، بخط القاضي الفاضل ، وهو يقول فيه : إن هذا الشهاب السهروردي لا بد من قتله ، ولا سبيل أن يطلق ، ولا يبقى بوجه من الوجوه . ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك وتيقن أنه يقتل ، وليس جهة إلى الإفراج عنه ، اختار أن يترك في مكان مفرد ، ويمنع من الطعام والشراب ، إلى

--> ( 1 ) هو الملك أبو الفتح وأبو منصور غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب بن غازي ، الملك الظاهر ، ملك حلب ، ولد بالقاهرة في منتصف شهر رمضان المعظم سنة 568 ه ، وكان محبّا للعلم والعلماء ، مجيزا للشعراء ، كثير الاطلاع على كتب التاريخ ، عالي الهمة ، مهيبا ، شديدا ، أعطاه والده مملكة حلب سنة 582 ه ، وكانت وفاته بحلب ليلة الثلاثاء 20 من شهر جمادى الآخرة سنة 613 ه ، ودفن بقلعة حلب . انظر في ترجمته : وفيات الأعيان لابن خلكان : 4 / 6 ، النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى : 6 / 216 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 5 / 55 ( 2 ) في ه : وكان . ( 3 ) في ه : أرسلوها .